أحمد بن علي القلقشندي
351
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ومن عادة الإنسان إذا تعاطى بابا من هذه الأبواب أن يسبق خاطره إلى الألفاظ المتعلَّقة به ، فيوقعها في الكتب التي ينشئها لغلبة عادة استعماله إياها ، فيهجّنها بإدخاله فيها ما ليس من أنواعها . قال في « الصناعتين » : وتخيّر الألفاظ وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام ، وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته ، فإن أمكن مع ذلك انتظامه من حروف سهلة المخارج كان أحسن له ، وأدعى للقلوب إليه ، وإن اتفق له أن يكون موقعه في الإطناب أو الإيجاز أليق بموقعه ، وأحق بالمقام والحال ، كان جامعا للحسن ، بارعا في الفضل ؛ فإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره ، وأوّله يكشف قناع آخره ، كان قد جمع نهاية الحسن ، وبلغ أعلى مراتب التمام . قال في « موادّ البيان » : وإذا سلكت طريقا فمرّ فيها ، ولا تتنازل عنها إن كانت رفيعة ، ولا ترتفع عنها إن كانت وضيعة . وخالف ابن أبي الأصبع ، فقال : ولا تجعل كل الكلام شريفا عاليا ، ولا وضيعا نازلا ، بل فصّله تفصيل العقود ، فإن العقد إذا كان كله نفيسا لا يظهر حسن فرائده ، ولا يبين جمال واسطته ، فإن الكلام إذا كان متنوّعا في البلاغة ، أفتنت الأسماع فيه ، ولا يلحق النفوس ملل من ألفاظه ومعانيه ، ولا يخرج عن عرض إلى غيره حتّى يكمل كل ما ينتظم فيه ، كما إذا كان ينشئ كتابا في العذل والتوبيخ ، فيشوب ألفاظه بألفاظ أخرى تخرج عن الخشونة إلى اللَّين ، فإن اختلاف رقعة الكلام من أشدّ عيوبه . قال في « الصناعتين » : ولا تجعل لفظك حوشيّا بدويّا ، ولا مبتذلا سوقيّا ، ورتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا ، فتقدّم منها ما يحسن تقديمه ، وتؤخر منها ما يحسن تأخيره ؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن ، ولا تؤخر ما كان التقديم به أليق ، ولا تكرر الكلمة الواحدة في كلام قصير ، كما كتب سعيد بن حميد : « ومثّل خادمك بين يديه ما يملك فلم يجد شيئا يفي بحقّك ، ورأى أن تقريظك بما يبلغه اللسان وإن كان مقصرا عن حقك أبلغ في أداء ما يجب لك » . فكرر ذكر الحق مرتين في مقدار يسير . على أن أبا جعفر النحاس قد ذكر في « صناعة الكتاب » أنّ